بيان حول احداث محافظة السويداء

بأسف شديد تابع الرأي العام الداخلي و الدولي الأحداث المؤسفة في محافظة السويداء السورية و التي أفضت لمصادرة أرواح مئات السوريين سواءاً من أبناء المحافظة أو من عناصر الجيش و الأمن العام السوري و التي تكللت بعدوان اسرائيلي سافر على دمشق .

المنظمة السورية لحقوق الإنسان إذ تبدي أسفها لما وصلت إليه الأمور فإنها تثبت النقطتين التاليتين:

أولاً : الوضع السياسي في محافظة السويداء السورية منقسم بشدة ما بين الشارع المغيب بنخبة السياسية و الإجتماعية و الثقافية و حتى مرجعياته الروحية و الدينية لاسيما ” الشيخين البلعوس و الحناوي ” و التي حافظت على هويتها الوطنية السورية من خلال استمرارية الحراك المجتمعي المعارض لحكم الطاغية بشار الأسد لسنوات وهؤلاء يشكلون الكتلة الصامته الكبرى مع الأسف في المحافظة.

و بالمقابل هناك مجلس عسكري قوامه ثلة من المنحرفين المرتزقة الخارجين عن القانون من أصحاب السجل الإجرامي التواطئي مع النظام البائد و للأسف تتوارى تلك المليشيات الاجرامية خلف مرجعية دينية “الشيخ الهجري” وتفرض لغة الهيمنة و الأمر الواقع بقوة السلاح على الشارع الدرزي في المحافظة من جهة وتقترف المجازر بحق عناصر الجيش و الأمن العام من جهة و بحق باقي المكونات من غير الدروز في المحافظة و الذين أرسلت لهم الإنذارات بضرورة المغادرة و الترحيل القسري وهو ما يرقى لجرائم الإبادة الجماعية.

ما يهمنا في هذه العجالة أن نؤكد أنه لا يجوز بحال من الأحوال طمس المسافة مابين الشارع الدرزي المغيب بنخبة و فعالياته المدنية و السياسية و ما بين تلك العصابة المارقة من المرتزقة الخارجين عن القانون.

ثانياً : في موازاة ذلك هناك دويلة الاحتلال الإسرائيلي المتربصة بدول جوارها و من بينهم سوريا و التي لا ترى فيها مستقبلاً سوى كنتونات من أمارات حرب متصارعين متنافرين فيما بينها يحكمهم ثلة من أصحاب المشاريع القائمة على صرف النفوذ واستغلال المنصب والاستحواذ على المال العام.

و مع الأسف وجدت إسرائيل في ” مليشيا المجلس العسكري و مرجعيتها الهجرية ” ضالتها المنشودة لذلك شرعت في الصيد بالماء العكر لاستغلالها وإخراجها من إطارها كمجموعات إجرامية خارجة عن القانون إلى حركة مقاومة شعبية و منحتها الحق الحصري بتمثيل محافظة السويداء عنوة بقوة السلاح ثم بدأ العزف على موشح حماية الدروز … و إرسال المساعدات الإنسانية لهم… ثم أعلن المتطرف ” نتنياهو” عن توزيع مليار و مئتي ألف دولار علىهم…. إلى ما هنالك من مخاتلات تهدف إلى إثارة النعرات الإثنية و الطائفية في سوريا.

وما ينطبق على الدروز ينطبق على الأكراد والعلويين بهدف استخدامهم كأوراق ضغط تفاوضية سياسية مع الحكومة السورية سواءاً المؤقته الحالية أو مع أي حكومة مستقبلية لدمشق و بذات الآلية الشيطانية بحيث تسلب مليشيا قسد الإرهابية قرار الشارع الكردي و ترتهنه بقوة السلاح و يسطو مجرمي النظام البائد و فلوله على مقدرات الشارع العلوي و قراره و يرتهنونه بالقوة الجبرية والإرهاب المنظم.

و مع الأسف هناك مراجع روحية من أصحاب النوازع غير الكريمة تقبل على نفسها منح الغطاء للكيان الصهيوني لإستخدام جاليتها على نطاق واسع لقاء المنافع والمكاسب المادية.

و عليه فإننا في المنظمة السورية لحقوق الإنسان نوصي بما يلي :

أولاً : على الإدارة السورية المؤقتة بوصفها تمثل الحاضنة السورية الجامعة أن تتصدى لأي محاولة لخلق أزمة ثقة ما بين عموم السوريين و أي من المكونات السورية الثلاثة.

لاسيما وأن دويلة الاحتلال تبذل قصارى جهدها لإختلاق شروخ وتصدعات مجتمعية ” طائفية أو عرقية ” على مستوى قاعدي داخل نسيج المجتمع السوري و إن عملية بناء الثقة و من ثم القدرات هي مسؤولية الحكومة السورية الحالية.

و بهذه المناسبة فإن المنظمة السورية لحقوق الإنسان إذ تدين جميع الدعوات المشبوهة المطالبة بعزل السويداء و تجريم التعامل التبادل التجاري معها و إيقاع العقاب الجماعي بأهلها فإنها تؤكد أن السويداء منا و نحن منها و عموم السوريين معها للموت و أن مليشيات المجلس العسكري و مرجعيتهم لا تمثل السويداء بأي شكل من الأشكال.

ثانياً : كثر الحديث مؤخراً عن جرائم و قباحات إقترفتها مليشيات المجلس العسكري بحق باقي المكونات في السويداء و من ثم بحق قوات الجيش و الأمن العام و هناك حديث و فيديوهات عن جرائم و انتهاكات اقترفتها قوات الجيش و الأمن العام و البدو بحق المكون الدرزي.

المنظمة السورية لحقوق الإنسان تطالب بالشفافية التامة في كشف النقاب عن تلك الإنتهاكات أي كان مصدرها و إنزال أقصى العقوبات بمن إقترفها، و ليعلم الجميع أن أي قباحة طائفية سيتم الرد عليها بقباحة طائفية أشنع منها و هو ما علينا تجنبه مرة واحدة و إلى الأبد.

ثالثاً : أكثر من ستين عاماً مرّت علينا و نحن تحت نير حكم العسكر لم نحصل خلالها سوى على نموذج دولة هشة من الخارج متوحشة و مفلسة من الداخل.

الشعب السوري الذي دفع ثمنا غالياً للحرية يصبو إلى دولة رؤوفة على المواطن من الداخل و مرهوبة الجناح من الخارج و هذا لن يتحقق إلآ بالوحدة و اللحمة الوطنية و التآزر و التعاضد المجتمعي و هذا التحدي ملقى على جميع ألوان الطيف المجتمعي السوري و هو الطريق الوحيد أمامنا و الذي لا خيار لنا سواه ما و إلا فنموذج إمارات الحرب المتنافرين المتتناحرين بإنتظارنا و هو ما لم و لن يحصل مادام فينا عرق ينبض.

خلفيات الموضوع :

من تتبع الأرشيف الإسرائيلي نكتشف أن النفاق المتعلق بحماية الأقليات لاستخدامهم كورقة تفاوض مستقبلية مع دولهم التي ينتمون إليها من جهة، و عقبة في مواجهة تقدم و إزدهار تلك الدول من جهة أخرى قديم و متواصل.

إسرائيل هي أكثر من أساء تاريخياً للأقليات لاسيما الدروز و استغلتهم أبشع استغلال من خلال مصادرة أرضهم و العبث ببنيتهم التحتية الاجتماعية و الدينية .

ففي عام 1948 كانت إسرائيل تخطط لتهجير جميع الدروز من أرض فلسطين التاريخية أسوة بغيرهم من المكونات.

فقد أقدمت على مصادرة أراضيهم في الجليل و من ثم حاصرت مرجعياتهم الدينية داخل فلسطين “الشيخ أمين طريف” و استنسخت مرجعيات دينية تابعة لها.

و من ثم مارست تضيقاً عليهم لم تشهد مثيلا له جميع مناطق تجمعهم في سوريا سواءاً في الجولان أو السويداء أو إدلب أو لبنان.

ففي الجليل الأعلى و بعد فرض الخدمة العسكرية على الدروز عام 1956 كثفت إسرائيل من سياساتها لمصادرة أكثر من 86% من الأراضي العربية الدرزية لاسيما في منطقة بيت جن و ما حولها و منعتهم من الوصول إلى مزارعهم و محاصيلهم بهدف فرض التجنيد الإجباري عليهم كوسيلة لا غنى عنها للعيش بعد طردهم من أرضهم و جرمانهم من أرزاقهم و من ثم أجرت تغييرات ديمغرافية استهدفتهم و عملت على إرساء الجهل و التخلف بينهم.

و هكذا تحول هؤلاء المساكين إلى خدم لإسرائيل يقدمون أرواحهم رخيصة من أجل مواطنيها من اليهود لاسيما بعد فرض قانون القومية العنصري عام 2018 الذي تعامل مع إسرائيل بوصفها دولة يهودية صرفة و هو ما بات يعرف بـ قانون يهودية الدولة دون الأخذ بالحسبان حقوق باقي المكونات التي اعتمدت عليها إسرائيل في حروبها التي لا تنتهي وهو ما يتوافق مع العقلية اليمينية المتطرفة التي تقوم على مفهوم الشعب المختار القائم على الخريطة الوراثية التي تعود لأسباط سيدنا يعقوب عليه السلام الاثنا عشر حصرياً.

في حين أن الشعوب المسلمة كانت قد احتضنت الدروز و غيرهم من الأقليات إنطلاقاً من مفهوم الأمة التي ينضوي تحتها الجميع.

يقول عز و جل : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و انثى و جعلناكم شعوباً و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم.

و في نهاية المطاف فإن رب العالمين هو من يحاسب الناس على معتقداتهم الدينية و ليس البشر.

يقول عز من قائل في محكم التنزيل : إن الذين آمنوا والذين هادوا و الصابئين و النصارى و المجوس و الذين أشركوا، إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد.

صدق الله العظيم

دمشق 18/7/2025 المحامي مهند الحسني

رئيس المنظمة السورية لحقوق الإنسان ” سواسية “

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *